أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

225

العقد الفريد

من الكفاية ؛ فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء « 1 » ، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء ؛ فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوّله ، ولكان نصيب [ العضو ] الأول كنصيب الآخر ؛ فعبتموني بذاك وشنعتم عليّ ؛ وقد قال الحسن وذكر السّرف : أما إنه ليكون في الماء والكلأ ؛ فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ . وعبتموني أن قلت : لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره ، وتقوّس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن قوته ، وأن يرى نحوه أكثر ذريته ؛ فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، وتحويله إلى ملك غيره ، وإلى تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ؛ فلعله أن يكون معمرا ؛ وهو لا يدري ، وممدودا له في السنّ وهو لا يشعر ؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس ، أو يحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه عقل ، فيستردّه ممن لا يردّه ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ؛ أصعب ما كان عليه الطلب ، وأقبح ما كان به أن يطلب ؛ فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا . وعبتموني بأن قلت بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال الملوك [ أسرع ] وأن الحفظ للمال المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين ، واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب - أسرع ؛ ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل ، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل . وعبتموني بأن قلت : إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيب يدعو إلى الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى حجاز دون الحقوق ؛ فعبتم عليّ هذا القول ؛ وقد قال معاوية : لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جنبه تضييع . وقد قال الحسن : إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا

--> ( 1 ) الوظيفة : ما يقدر لك في اليوم من طعام أو رزق أو نحوه .